عبد الملك الجويني

69

نهاية المطلب في دراية المذهب

تقديرُه شرعاً ، وكان يتأتى فيه الكيل والوزن جميعاً ، ففيه أوجه : أحدها - أن يكالَ ؛ فإن الكيل كان غالباً في معظم المطعومات ، فنعتبر موضع الإشكال بالغالب . والثاني - أنه يتعين الوزن ؛ فإنه أحصرُ من الكيل ، فإذا لم يثبت الكيل بالتوقيف ، فطلبُ الأحصَرِ أولى . والثالث - أنا ننظر إلى العادة الغالبةِ في موضع المعاملة ؛ فإنه إذا عسر اعتبار عرف الشارع ، وقد وجدنا العرف أصلاً متبعاً ، فالأقربُ اعتبار عرف الوقت . وذكر شيخي وجهاً رابعاً - وهو أنا نتخيَّر بين الكيل والوزن ؛ إذ ليس أحدهما أولى من الثاني . وهذا بعيد جداً لم أره لغيره . وإذا جرى التقديران ، فلا بد من تفاضل يجري لأحدهما . ولو منع مانعٌ أصلَ البيع لاستبهام طريق التماثل ، لكان أقربَ مما ذكره ، ولكن لا قائل به من الأصحاب . فأما إذا كان للشيء أصل يعرف طريق تقديره في عصر الشارع ، ولكنه في نفسه لا يُدرَى بماذا كان يُقَدَّر في العصر الأول ، ففيه الأوجه المتقدمة ، وزاد شيخي وصاحب التقريب والصيدلاني وجهاً آخر أنهُ يتعيّنُ أن يقدَّر بما يقدر به أصله . فصل 2948 - في بيان الحال التي تباع في مثلِها أموال الربا ، بعضُها ببعض ، ويتصل به التفريع على القول القديم ؛ فنقول : قد منع الشافعيُّ في معظم العلماء بيعَ الرطب بالتمر ، واعتمد فيه الحديث المشهور ، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : " أينقصُ الرطبُ إذا جف ؛ فقيل نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم : فلا إذن " ( 1 ) . ثم استنبط الشافعي من مورد الحديث أن

--> ( 1 ) حديث أينقص الرطب إذا يبس ؟ رواه مالك في الموطأ : 2 / 624 ، والشافعي في الأم : 3 / 15 ، وأحمد في مسنده : 1 / 175 - 179 ، وأبو داود : البيوع ، باب في التمر بالتمر ، ح 3359 ، والترمذي : البيوع ، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة ، ح 1225 ، والنسائي : بيوع ، باب اشتراء التمر بالرطب ، ح 4545 ، 4546 ، وابن ماجة : التجارات ، باب بيع الرطب ، ح 2264 ، والدارقطني : 3 / 49 ، 50 ، والبيهقي : 5 / 294 ، 295 وقد صححه الألباني ( ر . تلخيص الحبير : 3 / 20 ح 1143 ) .